عبد الملك الثعالبي النيسابوري

408

يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر

الواسطة من العقد ، لأنه يشاركهم في جميع محاسنهم وفضائلهم ومناقبهم وخصائصهم ، ويتفرد عنهم بمزية الأدب الذي هو ابن بجدته « 1 » وأبو عذرته وأخو جملته ، وما على ظهرها اليوم أحسن منه كتابة وأتم بلاغة ، وكأنما أوحى بالتوفيق والتسديد إلى قلبه . وحبست الفقر والغرر بين طبعه وفكره ، فهو من ابن العميد عوض ، ومن الصاحب خلف ، ومن الصابي بدل ، ثم إذا تعاطى النظم فكأن عبد اللّه بن المعتز وعبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر وأبا فراس الحمداني قد نشروا بعد ما قبروا ، وأوردوا إلى الدنيا بعد ما انقرضوا . وهؤلاء أمراء الأدباء ، وملوك الشعراء ، وقد أنصف من وصف بلاغته في النثر وبراعته في النظم حيث قال من قصيدة [ من الكامل ] : يا من كساه اللّه أردية العلى * وحباه عطر ثنائها المتضوّع « 2 » وإذا نظرت إلى محاسن وجهه * المسعود قلت لمقلتي فيها ارتعي وإذا قريت الأذن شهد كلامه * قلت اسمعي وتمتعي وارعي وعي « 3 » وكأنّما يوحى إلى خطراته * في مطلع أو مخلص أو مقطع « 4 » لك في المحاسن معجزات جمّة * أبدا لغيرك في الورى لم تجمع بحران بحر في البلاغة شابه * شعر الوليد وحسن حفظ الأصمعي وترسّل الصابي يزين علوّه * خطّ ابن مقلة ذي المحلّ الأرفع شكرا فكم من فقرة لك كالغنى * وافى الكريم بعيد فقر مدقع وإذا تفتّق نور شعرك ناضرا * فالحسن بين مرصّع ومضرّع « 5 » أرجلت فرسان القريض ورضت أف * راس البديع وأنت أفرس مبدع

--> ( 1 ) بجدته : أهله ، والعالم المتقن له . ( 2 ) الأردية : جمع رداء وهو الثوب أو يرتديه الانسان . المتضوّع : الذي يفوح بالعطر . ( 3 ) قريت الأذن : من القرى : أي اسمعتها أجمل كلامه . ( 4 ) خطراته : أي ما يخطر في باله من أمر . ( 5 ) المضرّع : أي ذليل وخاضع .